30 نوفمبر.. يوم كسر فيه قرن من الاحتلال وارتفعت راية الحرية في جنوب اليمن

يشكّل يوم الـ30 من نوفمبر محطة مفصلية في التاريخ الوطني الحديث لليمن، ولا سيما في الشطر الجنوبي منه، باعتباره اليوم الذي جرى فيه الإعلان عن جلاء آخر جندي بريطاني بعد احتلال دام أكثر من 129 عاماً. 

جاء هذا التحول التاريخي تتويجاً لمسار طويل من النضال الشعبي، رفع خلاله أبناء جنوب اليمن راية التحرر واستعادوا حقهم في السيادة على أرضهم بعد عقود من القمع وتقييد الحريات ومصادرة الحقوق.

على مدى أكثر من قرن، فرض الاحتلال البريطاني منظومة قمعية هدفت إلى إحكام السيطرة على مقدرات الجنوب وموقعه الاستراتيجي، فمارس سياسات التفريق وإضعاف الروابط الاجتماعية، وسعى إلى تفتيت النسيج الوطني عبر تقسيم الشطر الجنوبي إلى سلطنات ومشيخات متعددة. 

وفقاً لمحللين سياسيين، أدى هذا النهج المتدرج إلى خلق بيئة سياسية هشة، تُمكّن المحتل من إدارة المشهد وفق مصالحه وتوجهاته.

وأكدوا لوكالة خبر، أن سياسات الاحتلال البريطاني لم تقتصر على التقسيم السياسي، بل امتدت إلى التدخل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من خلال فرض القيود على حرية التعبير والتنقل والعمل، واتباع أساليب ممنهجة للتجويع واستنزاف الموارد. 

وأشاروا إلى أن هذه الإجراءات خلفت معاناة واسعة عانى منها السكان على امتداد جغرافية الجنوب، في ظل انعدام أي ضمانات لحماية الحقوق الأساسية.

وعي شعبي متصاعد

في مواجهة هذه الظروف القاسية، تبلورت حركة وطنية جنوبية أخذت في النمو والتوسع منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، مستندة إلى وعي شعبي متصاعد بضرورة إنهاء الاحتلال. 

وتنوعت أشكال النضال بين العمل السياسي المنظم، والاحتجاجات الشعبية، والأعمال الفدائية التي استهدفت مراكز النفوذ العسكري والإداري البريطاني، لتشكل مجتمعة ضغطاً متواصلاً قاد في النهاية إلى تغيير المعادلة.

وذكرت مصادر تاريخية، أن السلطات البريطانية حاولت احتواء هذه الموجة المتصاعدة من المقاومة عبر تصعيد الاعتقالات، وتوسيع دائرة الملاحقات، وتنفيذ حملات قمع واسعة، شملت التعذيب والتنكيل والتهجير القسري، موضحة أن "تلك السياسات العنيفة لم تفلح في كسر إرادة الشعب، بل عززت إصراره على مواصلة الطريق نحو التحرر الكامل".

تحولات إقليمية ودولية

وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، أخذت التحولات الإقليمية والدولية تلعب دوراً في تسريع مسار إنهاء الاحتلال، بالتوازي مع تعاظم قوة الحركات التحررية في جنوب البلاد، حيث انطلقت شرارة الثورة في 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان، وذلك بعد عام من نجاح ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن وإطاحتها بالنظام الإمامي الكهنوتي الذي كان جاثماً على صدره.

وأسهمت التضحيات الكبيرة التي قدّمها المناضلون خلال نحو 4 سنوات في مراكز المدن والقرى، في خلق واقع لم يعد بالإمكان تجاوزه، لتبدأ عملية تفاوض رسمية مع قيادة الاحتلال البريطاني انتهت بتحقق الهدف التاريخي الذي طال انتظاره.

وفي 30 نوفمبر 1967، غادر آخر جندي بريطاني أرض الجنوب، ليعلن الشعب انتصاره على واحدة من أطول فترات الاحتلال في المنطقة. 

ويجسد هذا اليوم، رمزاً لعزيمة أبناء اليمن في استعادة حريتهم وكرامتهم، رغم ما تكبدوه من ويلات التعذيب والملاحقات وسياسات التجويع الممنهجة. 

كما يمثل مناسبة وطنية لاستحضار دروس الماضي وتعزيز قيم الوحدة والتمسك بالسيادة، في مواجهة ما يستجد من تحديات.