2 ديسمبر… التاريخ الذي انحنى أمام دم الشجعان
في تاريخ الأمم، ثمة أيام لا تُقرأ بوصفها أحداثاً، بل تُستعاد بوصفها محاكم كبرى للتاريخ والضمير والهوية.
ويظل الثاني من ديسمبر 2017 واحداً من تلك الأيام التي تخرج من التقويم لتستقر في الذاكرة الجماعية بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن معنى الجمهورية، وعن الثمن الذي يُدفع عندما يتقدّم رجلٌ واحد ليحمل عبء ومسؤولية الدفاع عن وطن بأكمله.
في تلك الليلة التي انطفأت فيها صنعاء تحت سياط الحصار الحوثي لم يكن الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح يسعى إلى نجاة شخصية، ولا إلى تأجيل ساعة المواجهة. اختار أن يقف في قلب المدينة التي عرف دهاليزها وإيقاعها ومكرها وولاءاتها، ليعلن بوضوح نادر أن الجمهورية ليست نظام حكم قابلاً للمساومة، بل قدر جماعي لا يجوز التنازل عنه، مهما تكسرت الطرق وضاق الأفق واختلطت الحسابات.
كان ذلك الإعلان هو اللحظة التي تحوّل فيها الرجل من قائد سياسي إلى شاهد وحارس أخير على معنى الدولة، ثم إلى شهيد يحمل ويدافع بدمه ما عجزت السياسة عن قوله.
لا يمكن استيعاب ملحمة 2 ديسمبر دون العودة إلى سنوات ما بعد 2011، حين تفككت الدولة كجسدٍ تُرك للذبح والريح. في تلك السنوات، تهاوت المؤسسات، وتوزعت الولاءات، وتراجع العقل الوطني أمام نزاعات صغيرة صنعت فراغاً هائلاً، فراغاً كان كافياً لتندفع إليه قوة سلالية تحمل مشروعاً عابراً للدولة ومفارقاً للجمهورية وللمواطنة على السواء.
كان صالح، بخبرته الطويلة في إدارة خرائط اليمن الاجتماعية والسياسية، مدركاً للخطر قبل أن يقع. رأى انهيار الدفاعات الأولى للجمهورية، ورأى تسلّل مشروع كهنوتي يسعى للثأر من سبتمبر، لا من خصومه السياسيين.
لكن رغم هذا الإدراك، ظل ثابتاً في موقعه، يحاول ترميم ما يمكن ترميمه من هيكل الدولة، مدركاً أن أي تخلٍ إضافي سيُدخل اليمن في نفق لن يخرج منه بسهولة.
وحين وصلت الميليشيا إلى المرحلة التي لم يعد فيها أي شكل من أشكال المحاولة ممكناً، وحين صار البقاء في صنعاء يعني عملياً الاعتراف بسلطة ترى اليمنيين رعايا لا مواطنين، تحولت المواجهة من احتمال إلى حتمية، ومن خيار سياسي إلى قدر وطني.
لم تكن انتفاضة ديسمبر مغامرة سياسية ولا محاولة لموازنة نفوذ بآخر، بل كانت رداً على اختطاف الدولة من جذورها.
كانت اللحظة التي انكشف فيها المشروع الحوثي بلا أقنعة... مشروع يريد تقويض الجمهورية واستبدالها بتصور فوقي للحكم يستند إلى الحق الإلهي، ويعيد تشكيل المجتمع وفق هوية سلالية ضيقة.
أمام هذا الانقلاب الممنهج على الدولة والمواطنة، لم يكن أمام قيادة المؤتمر إلا أن تتخذ موقفاً بحجم الخطر. أدركت أنها خط الدفاع الأخير داخل العاصمة. وأن الصمت يعني تسليم الجمهورية بلا مقاومة. فجاء قرار الانتفاضة... قراراً لا يمكن التراجع عنه بمجرد إطلاقه، ولا يمكن تسويته بحلول وسطية، لأن المواجهة هنا لم تكن على السلطة، بل على هوية الدولة نفسها، ومشروع الجمهورية.
في اللحظات الأخيرة، ووسط حصار مكتمل، كان يمكن لصالح أن يغادر. كان يمكن له أن يبحث عن مخرج. لكنه لم يفعل.. اختار الثبات، ليس لأن النجاة مستحيلة، بل لأن المغادرة كانت ستسقط كل ما بقي من رمزية الدولة.
ظهر الرجل في تسجيله الأخير بوجهٍ لم يعرفه اليمنيون من قبل، وجه قائدٍ أدرك أن المعركة لم تعد معركة سياسية، بل معركة هوية، وأن عليه أن يقف.. أن يقاتل.. أن يترك سيرة لا تُكتب بالخطابات بل بالفعل.
رافقه في تلك الملحمة الشهيد عارف عوض الزوكا، الذي أعاد تعريف معنى الوفاء السياسي والشخصي معاً، ورافقته كوكبة من الأحرار الذين قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنين أن الدفاع عن الجمهورية ليس مهمة جيوش كبيرة، بل مهمة رجال لا يقايضون المبادئ بالأعمار.
كانت تضحيتهم شهادة لا هزيمة.. وكان دمهم بياناً وطنياً لم تستطع الميليشيا، بكل رصاصها، أن تلغيه أو تطفئ صداه.
حين كانت شوارع صنعاء تتحول إلى خنادق، وعندما كان رجال قليلون يقاتلون من أجل دولة، كانت غالبية الأحزاب والقوى السياسية منشغلة بالنجاة، أو المساومة، أو الهروب.
غادرت القيادات، تبخّرت المواقف، وسقطت الأقنعة. لم تُطلق تلك القوى رصاصة واحدة دفاعاً عن الجمهورية التي طالما تحدثت عنها. بل إن بعضها وجد في سقوط الرجل فرصة للشماتة، كأنهم نسوا أن الرصاص الذي اخترق جسده لم يكن يطارد شخصاً، بل يطارد رمز دولة انحنوا أمامها طويلاً ثم تخلوا عنها في اللحظة التي احتاجتهم.
هذا الانكشاف الأخلاقي والسياسي سيظل وصمة لا يمحوها الزمن، لأنه كشف أن بين من يتحدث عن الوطن ومن يموت من أجله مسافات لا تنتمي للسياسة بل للضمير.
لم تكن لحظة الاستشهاد خاتمة، بل كانت بداية. فبعد 2 ديسمبر تغيّر شيء جوهري في الوعي اليمني.. صار واضحاً أن الجمهورية ليست فكرة سياسية بل عقد اجتماعي لا يلغيه انقلاب، وأن مشروع الكهنوت مهما تلون سيبقى مشروعاً خارج التاريخ.
دم صالح والزوكا لم يكن مجرد دمٍ سال، بل عهد.. عهد ألزم كل من بقي مؤمناً بالدولة المدنية أن يحافظ على ما تبقى من جمهوريتنا، وأن يقاتل من أجلها بالكلمة والموقف والبندقية، حتى يعود اليمن وطناً لا مزرعة، ودولة لا سلالة، وجمهورية لا إمارة منغلقة على نفسها.
إننا اليوم، أمام وصية واضحة لا تحتاج شرحاً.. الثبات حتى استرداد الجمهورية كاملة، واستعادة صنعاء عاصمة لكل اليمنيين، لا عاصمة لمشروع سلالي بشع.
ذلك هو جوهر 2 ديسمبر، يوم اشترى فيه رجل واحد مستقبل جمهورية بدمه، وترك على الباب وصية مفتوحة، أن اليمن أكبر من العمر، وأن الدولة أثمن من السلطة، وأن الوطن لا يُترك للكهنوت مهما كانت الكلفة.