أزمة متصاعدة: التضخم ونقص الطاقة يدفعان إيران نحو الهاوية الاقتصادية
يعيش الإيرانيون تحت وطأة أزمات متشابكة تتمثل في ارتفاع التضخم إلى 35.3%، وانهيار العملة المحلية، ونقص حاد في الكهرباء رغم امتلاك البلاد ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم. في هذا التحليل، يكشف الخبير الاقتصادي الدكتور أومود شكري لـ«الحرة» جذور الأزمة التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في إيران.
يعاني الإيرانيون من وضع اقتصادي مترد، مع ارتفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، ونقص في موارد الطاقة أدت إلى انقطاعات مستمرة في الكهرباء.
موقع "الحرة" حاور خبيرا إيرانيا متخصصا في الاقتصاد والطاقة ليشرح بالتفصيل ما يجري في إيران.
الدكتور أومود شكري، وهو زميل كبير غير مقيم في جامعة جورج ماسون وخبير في الطاقة، قال لـ"الحرة" إنه على الرغم من امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي في العالم ورابع أكبر احتياطيات من النفط، تواجه أزمة طاقة حادة.
ما سبب أزمة الكهرباء؟
يجيب شكري:
تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي وبنية تحتية قديمة للطاقة. وانخفض الإنتاج الصناعي بنسبة تتراوح بين 30و50 في المئة، وتجاوز نقص الغاز الطبيعي اليومي 350 مليون متر مكعب.
وبلغت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأزمة عشرات المليارات من الدولارات.
والسبب الأساسي وراء ذلك هو مزيج من سوء الإدارة النظامي والعقوبات الدولية والإعانات ونقص الاستثمار الطويل الأجل في البنية التحتية.
البنية التحتية المتقادمة والاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري
تعاني شبكة الكهرباء في إيران، التي انشأت قبل الثورة الإسلامية عام 1979، من عدم الكفاءة. ويأتي أكثر من 90 في المئة من الكهرباء من محطات الطاقة الحرارية، التي تستخدم تقنيات الاحتراق القديمة، ما يؤدي إلى إهدار ما بين 15و20 في المئة من الطاقة.
خسائر النقل مرتفعة أيضا، وتبلغ 13 في المئة، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتماد البلاد على محطات الطاقة التي تعمل بالغاز والافتقار إلى تطوير الطاقة المتجددة جعل شبكة الكهباء عرضة للاضطرابات.
تساهم الطاقة المتجددة بأقل من 1 في المئة في مزيج الطاقة في إيران، في حين تولد دول مثل السعودية أكثر من ذلك بكثير من الطاقة الشمسية.
عدم الكفاءة الاقتصادية وتأثير العقوبات
والإعانات هي المحرك الرئيسي للإفراط في الاستهلاك في قطاع الطاقة في إيران.
وأسعار الغاز المحلية أقل بثماني مرات من أسعارها في دول الخليج المجاورة، ما يؤدي إلى الاستهلاك المفرط.
وتستهلك التدفئة السكنية وحدها 28 في المئة من إنتاج الغاز، في حين تتنافس الصناعات ومحطات الطاقة على 72 في المئة المتبقية، ما يتسبب في نقص متكرر.
وتحفز الإعانات السنوية البالغة 30 مليار دولار عدم الكفاءة، وأدت العقوبات في ظل إدارة ترامب إلى منع الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا المهمة لتحديث قطاع الطاقة.
وأدى خفض قيمة العملة إلى زيادة تكلفة استيراد القطع الضرورية مما أدى إلى تفاقم الأزمة.
التوترات الجيوسياسية وفشل الحوكمة
الأولويات الجيوسياسية لإيران زادت من تفاقم أزمة الطاقة، فهي مستمرة في تصدير الغاز إلى العراق وتركيا على الرغم من النقص المحلي.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة تعدين العملات المشفرة فهي تستهلك ما بين 800 و900 ميغاوات يوميًا، ما يزيد من الضغط على الشبكة.
ويعيق الفساد والشلل البيروقراطي الجهود الرامية إلى تحديث البنية التحتية، مع سحب مليارات الدولارات المخصصة لترقية الشبكة.
وفي غياب مسار واضح للإصلاح، من المرجح أن تتفاقم أزمة الطاقة في إيران، ما يؤدي إلى استمرار الانحدار الصناعي وتزايد السخط العام.
وبدون تغييرات منهجية، ستظل الأمة عالقة في حلقة مفرغة من نقص الطاقة والتدهور الاقتصادي.
التضخم وانهيار العملة
تعاني إيران أيضا من مشكلة التضخم وانهيار العملة، بسبب العقوبات الأميركية وفشل الإدارة المزمن.
وارتفع التضخم في فبراير إلى 35.3 في المئة سنويا، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 16.9في المئة شهرا، بينما انخفضت قيمة الريال إلى 891 ألفا مقابل الدولار الأميركي، وذلك بنسبة 75 في المئة في عام واحد.
ويزيد من تفاقم الوضع سياسة "الضغط الأقصى" التي أدت إلى خفض صادرات النفط، التي تمثل نصف إيرادات الحكومة.
بالإضافة إلى ذلك، أدى انتشار المضاربة على العملة وهروب رأس المال، مع سعي الإيرانيين إلى اللجوء إلى الدولار والذهب، إلى تفاقم الوضع.
ويزيد سوء الإدارة من الأزمة، حيث تؤدي أسعار الصرف التي تسيطر عليها الدولة والفساد إلى تضخم تكاليف الاستيراد بنسبة 53.8 في المئة، في حين تفشل الإعانات في تخفيف حدة الفقر، الذي يؤثر الآن على 30 في المئة من السكان.
وأدى رفض الحكومة الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو الموقف الذي أكده خامنئي، إلى تعميق عزلة إيران الاقتصادية، مما أدى إلى ردع الاستثمار الأجنبي المهم لاستقرار الريال.
وأصبحت دورة التضخم وخفض قيمة العملة ذاتية التكرار، فمع ضعف الريال، ترتفع تكاليف الاستيراد، وهو ما يؤدي إلى زيادة التضخم وتفاقم انحدار العملة.
وقيدت العقوبات بشدة وصول إيران إلى عائدات النفط، ما أجبرها على الاعتماد على التجارة غير المشروعة وتعدين العملات المشفرة كثيفة الطاقة، وهو ما يزيد من الضغط على شبكة الكهرباء الهشة بالفعل.
وفي الوقت نفسه، يتخلف نمو الأجور عن التضخم، فقد ارتفعت الإيجارات في طهران 24 مرة منذ عام 2013، في حين ارتفعت الأجور 20 مرة فقط، ما أدى إلى تفاقم التفاوت الاقتصادي.
وعلى الرغم من امتلاك موارد طاقة وفيرة، فإن إيران تكافح للاستفادة منها بسبب البنية التحتية القديمة والقيود المفروضة على ترقيات المصافي.
ومع توقع بقاء التضخم مرتفعا عند 28 في المئة بحلول عام 2026 وعدم وجود إصلاحات اقتصادية جوهرية في الأفق، تواجه البلاد أزمة متصاعدة، إذ تخصص الأسر الآن نصف دخلها للغذاء، ما يدفع العديد منهم إلى مواجهة صعوبات اقتصادية وإنسانية.