السودان.. مخاوف من كارثة بسبب التلوث الكيميائي بالخرطوم

ازدادت المخاوف من حدوث تأثيرات بيئية كارثية في العاصمة السودانية الخرطوم ومناطق أخرى بسبب التلوث الكيميائي، في ظل تحذيرات من رئيس وزراء حكومة بورتسودان كامل إدريس بشأن مخاطر الإشعاع. 

وتشير معلومات أولية إلى وجود تلوث كيميائي في نحو 30 حيا سكنيا وإداريا في المناطق الواقعة بين القصر الجمهوري وجامعة الخرطوم شمالا، وحتى الحدود الجنوبية لأحياء الخرطوم شرق، والتي تشمل العمارات والطائف والرياض والمعمورة وأركويت إضافة إلى عدد من أحياء مدينة أم درمان شمال غرب الخرطوم.

وفي مايو، أكدت الولايات المتحدة أن عقوبات فرضتها على قائد الجيش عبدالفتاح البرهان وحكومة بورتسودان بسبب استخدام مزعوم للأسلحة الكيميائية، مشيرة إلى أنها منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن تعمل مع الكونغرس والأمم المتحدة على جمع الأدلة التي تثبت استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية في الحرب الحالية المستمرة في البلاد منذ منتصف أبريل 2023.

وأعلن يوم الخميس، عن وفاة الدكتورة ليلى حمد النيل مديرة الاستجابة بإدارة الطوارئ بولاية الخرطوم، متأثرة بإصابتها بأعراض في الجهاز التنفسي أثناء تواجدها ضمن فريق كان يعمل بوسط الخرطوم خلال الأسابيع الماضية.

وقالت أديبة السيد، عضو لجنة أطباء السودان، لموقع سكاي نيوز عربية، إن الأعراض التي ظهرت على ليلى قبل وفاتها كانت متطابقة تماما مع الإصابات التي تنجم عن التعرض لإشعاع كيميائي.

وأشارت إلى أن ليلى نقلت إلى بورتسودان بعد إصابتها في المنطقة التي كانت تعمل فيها وسط الخرطوم، وهي منطقة تدور شكوك كبيرة حول تعرضها لتسرب كيميائي خطير.

ووفقا لأديبة، فإن هنالك العديد من الحالات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة والتي تشبه حالة الدكتورة ليلى.

ويرى الكاتب والناشط عمار نجم الدين، أن وفاة ليلى حمد النيل "كشفت الكثير من الخفايا التي لا يمكن فصلها عن الاتهامات المتصاعدة بشأن استخدام أسلحة محرمة دوليا في السودان".

وأضاف نجم الدين أن "الأعراض التي عانت منها ليلى تتطابق مع ما أبلغ عنه وسط المدنيين في مناطق مختلفة، حيث تحدث شهود عن غازات خانقة وتلوث مجهول المصدر وصفته السلطات بأنه تلوث صناعي".

ويقول نجم الدين، إن تصريح رئيس وزراء حكومة بورتسودان عن المخاطر الإشعاعية يزيد المشهد وضوحا، ويوضح أن "تحذير رئيس الوزراء من تهديد إشعاعي ووفاة خبيرة طوارئ صحية كانت في قلب الاستجابة للأزمة يؤكد وجود جريمة كيميائية أو إشعاعية يجري التستر عليها".

ويضيف أن "وفاة ليلى تمثل دليلا حيا على أن من يقف في الخطوط الأمامية لمواجهة هذه الكارثة هم أول الضحايا".

وفي يناير نقل تقرير نشرته "نيويورك تايمز"، عن أربعة مسؤولين أميركيين كبار قولهم إن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية مرتين على الأقل خلال النزاع ونشرها في مناطق نائية من البلاد.

ووفقا لتامي بروس المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، فقد قررت الولايات المتحدة في أبريل 2025 أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024.

وأشارت المتحدثة الأميركية إلى عدم التزام السودان باتفاقية الأسلحة الكيميائية، وأكدت التزام بلادها بمحاسبة المسؤولين عن المساهمة في انتشار الأسلحة الكيميائية.

ونشر سكان محليون في شمال دارفور صورا تظهر جثثا محترقة ومنتفخة، وخزانات مياه تغير لونها إلى الوردي، وقذيفة مكتوب عليها أنها تحتوي على غاز.

وحذر مراقبون من خطورة محاولة إخفاء حقيقة استخدام الأسلحة الكيمائية، والتأخر في توضيح الحقائق ومعالجة التأثيرات المحتملة.

من جانبه قال الضابط المتقاعد كمال الكلس "تنتشر الفرق في وسط الخرطوم لإخفاء معالم الجريمة وهو في حد ذاته جريمة أخرى لأن استخدام الأسلحة الكيميائية له عواقب وخيمة على الإنسان والحيوان والبيئة".

وأضاف: "الأدلة الدامغة التي قدمها الخبراء تشير إلى استخدام هذه الأسلحة وغيرها من الأسلحة المحرمة مما يثير قلقا دوليا كبيرا ومتناميا".

ويشير الكلس وهو باحث في مجال الأسلحة الكيميائية أيضا، إلى أهمية السماح الفوري بدخول فرق الخبراء الدوليين التابعين للأمم المتحدة لمعالجة آثار هذا السلاح، لكنه حذر من أن تنظيف العاصمة من آثار الأسلحة الكيميائية قد يتطلب مدة زمنية تصل إلى 40 عاما.

 

واعتبر الكاتب عمار نجم الدين، أن تزامن تحذيرات كامل إدريس من التعرض للإشعاعات مع معاناة الطبيبة ليلى في الأيام الأخيرة يكشف أن "النظام في بورتسودان لم يعد قادرا على إخفاء الحقائق".

ويطالب نجم الدين بالتعجيل بفتح تحقيق دولي في استخدام الأسلحة الكيميائية والإشعاعية في السودان، ويقول "المسألة تجاوزت الشكوك إلى قرائن دامغة".

وخارج الخرطوم، تحدثت مصادر طبية من مستشفى سنار في وسط السودان عن مئات الحالات الغريبة التي توافدت بعد استعادة الجيش لترعة السكر وجبل موية، وقالوا إنها شبيهة لحالات في أم درمان ظهرت عليها أعراض مثل الإجهاض المتكرر للحوامل، وولادة وأطفال بتشوهات لا يملك الطب المحلي أدوات لفهمها أو علاجها.

ووفقا لطبيب محلي فقد تم رصد 213 حالة إجهاض في مستشفيات سنار بوسط السودان خلال الفترة من أكتوبر 2024 وحتى مايو 2025 بزيادة تقدر بأكثر من خمسة أضعاف الوضع المعتاد.