حرب الحوثي على الهوية الدينية والتراث الإسلامي

تواجه المعالم الإسلامية في العاصمة المختطفة صنعاء، وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حملة تجريف ممنهجة تقودها قيادات نافذة في المليشيا المدعومة من النظام الإيراني، في مسار خطير يستهدف الهوية الدينية والتراث الثقافي للمجتمع اليمني، ويعكس توجهاً منظماً لتفريغ المقدسات من أدوارها الروحية والاجتماعية والتاريخية.

ولم تقتصر سيطرة المليشيا على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، بل امتدت لتطال أقدس المقدسات، حيث جرى تحويل المساجد ودور العبادة من مراكز للوحدة والتسامح إلى أدوات لخدمة أجندة أيديولوجية وحربية، في إطار استراتيجية ممنهجة لإخضاع المنابر الدينية وتحويلها إلى منصات طائفية مغلقة.

استراتيجية الاجتثاث وتغيير الوظيفة الدينية

تعتمد المليشيا الحوثية على إجراءات منظمة شملت تغيير مئات الخطباء والأئمة والمحاضرين في مختلف مناطق سيطرتها، واستبدالهم بعناصر موالية لعقيدتها تحت مسمى “المشرفين الثقافيين”، بهدف فرض خطاب موحد يروّج لأفكار طائفية مثل “الولاية” و”الحق الإلهي” لقيادة المليشيا.

ويُستخدم المنبر الديني في هذا السياق لتكفير وتخوين المعارضين سياسياً ومجتمعياً، وتقديس السلالة الحوثية باعتبارها مرجعية دينية مزعومة، في محاولة لخلق غطاء ديني لوجود المليشيا العسكري وممارساتها القمعية.

كما وثّق ناشطون وحقوقيون حملات اقتحام واختطاف طالت عدداً من الأئمة، وطرد آخرين من مساكنهم الملحقة بدور العبادة، إلى جانب تهجير أعداد كبيرة من طلاب العلم والتحفيظ من العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، في انتهاك صارخ لقدسية الدين الإسلامي وعقيدة المجتمع اليمني، وسعي واضح لتجفيف منابع التعليم الديني الوسطي.

العسكرة والاستغلال المالي

لم تقتصر الانتهاكات على التغييب الفكري والأدلجة العقائدية، بل شملت تحويل دور العبادة لخدمة المجهود الحربي بصورة مباشرة، من خلال تحويل مئات المنشآت الدينية إلى مواقع عسكرية وثكنات ومخازن أسلحة، وفق إحصاءات حقوقية محلية، في ممارسة تُعد انتهاكاً فاضحاً للمواثيق الدولية التي تجرّم استهداف أماكن العبادة أو استخدامها لأغراض عسكرية.

وإلى جانب العسكرة، تم توثيق عمليات نهب واسعة لأوقاف المساجد والاستيلاء على ممتلكاتها، وتحويل عائدات الزكاة والتبرعات وإيرادات الأوقاف لدعم أنشطة واحتفالات ذات طابع طائفي وسياسي، بدلاً من توجيهها للأغراض الدينية والاجتماعية التي أُنشئت من أجلها، بما يكشف حجم الاستغلال المنهجي لمقدسات المجتمع في تمويل المشروع الطائفي المسلح.

تداعيات بشرية وروحية

أدت هذه الممارسات إلى تقويض الوحدة المجتمعية وتعميق التشظي في النسيج الاجتماعي، مع تعريض العلماء وطلاب العلم وحفاظ كتاب الله لمخاطر مباشرة، ومنع مصلين في بعض المناطق من أداء شعائرهم في دور عبادة جرى عسكرتها أو إخضاعها لإشراف أمني مباشر، في توجه يعكس فرض وصاية عقائدية قسرية على الحياة الدينية، ويهدد السلم الاجتماعي.

كما تم توثيق عمليات تصفية واغتيال لعدد من الدعاة والأئمة  لتوجهات المليشيا، إضافة إلى حملات اختطافات طالت عشرات الخطباء والأئمة الرافضين للتوجيهات الطائفية، ما يؤكد أن الاستيلاء على المنابر يأتي ضمن سياسة ممنهجة لإلغاء صوت الاعتدال والإيمان العقائدي الحر في مناطق سيطرة المليشيا.

هدم المعالم الدينية التاريخية

وفي أحدث مؤشر على تصاعد هذا النهج، واصلت مليشيا الحوثي مؤخراً هدم سور أول مسجد أثري في العاصمة المختطفة صنعاء، وهو مسجد المشهد الأثري المعروف تاريخياً بمصلى العيدين أو “الجبانة” في حي باب شعوب، رغم حالة الاستياء الشعبي الواسع، في خطوة تُعد اعتداءً صارخاً على الهوية الإسلامية والتراث التاريخي للمدينة.

وأكدت مصادر محلية أن قيادات حوثية استقدمت عمالاً وشرعت في إزالة السور الجنوبي والحمامات التابعة للمسجد، بهدف الاستحواذ على الموقع وتحويله إلى مشاريع تجارية واستثمارية تخدم مصالحها، في وقت تتصاعد فيه موجة غضب شعبي من تدخلات المليشيا في المواقع الدينية والتاريخية التي تعود جذورها إلى العهد الإسلامي المبكر، وتُعد من أبرز معالم التراث الإسلامي في اليمن.

استهداف ممنهج للتراث والهوية اليمنية

تُعد هذه الانتهاكات جزءاً من مشروع أوسع تقوده المليشيا الحوثية لاستهداف الدين والتراث والهوية اليمنية، في محاولة لتقويض القيم الدينية والاجتماعية لصالح مشروع طائفي دخيل على المجتمع اليمني.

ويستدعي هذا الواقع تحركاً وطنياً ودولياً جاداً لحماية المقدسات والتراث الديني، وإطلاق حملات مناهضة لممارسات المليشيا في استهداف دور العبادة والمساجد والمواقع الأثرية والتاريخية، بما يكفل إعادة الاعتبار للمقدسات ودورها الحقيقي في جمع المجتمع وتعزيز قيم التسامح والسلام.

كما وثّق مختصون في شؤون المدن القديمة والآثار تعرض عدد كبير من المواقع الأثرية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي لعمليات اعتداء وتشويه، إضافة إلى أعمال حفر عشوائي ونهب منظم للمواقع الأثرية المعروفة، تحت غطاء أمني حوثي، ما يضاعف من حجم الخسائر التي تلحق بالتراث التاريخي والحضاري لليمن.